الصالحي الشامي

323

سبل الهدى والرشاد

السمرة ، أين أصحاب سورة البقرة ، قال : والله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها . وفي حديث عثمان بن شيبة عند أبي القاسم البغوي ، والبيهقي " يا عباس ، أصرخ بالمهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة ، وبالأنصار الذين آووا ونصروا " قال : فما شبهت عطفة الأنصار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عطفة الإبل على أولادها . حتى ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنه في حرجة ، فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رماح الكفار - انتهى . فقالوا : يا لبيك يا لبيك يا لبيك . قال : فيذهب الرجل يثني بعيره ولا يقدر على ذلك ، أي لكثرة الاعراب المنهزمين - كما ذكره أبو عمر بن عبد البر - فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ، فيخلي سبيله ، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا اجتمع منهم مائة ، استقبلوا الناس فاقتتلوهم والكفار ، والدعوة في الأنصار يا معشر الأنصار ، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ، وكانوا صبرا عند الحرب ، وأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركابيه ، فنظر إلى مجتلدهم وهم يجتلدون وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذا حين حمي الوطيس ، ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ، ثم قال : " انهزموا ورب محمد " فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا ، فوالله ما رجع الناس إلا وأسارى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتفون ، قتل الله تعالى - منهم من قتل ، وانهزم منهم من انهزم وأفاء الله تعالى على رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم ( 1 ) . وروى ابن سعد ، وابن أبي شيبة ، والإمام أحمد ، وأبو داود ، والبغوي في معجمة ، والطبراني وابن مردويه ، والبيهقي برجال ثقات عن أبي عبد الرحمن بن يزيد الفهري - يقال اسمه كرز - رضي الله تعالى عنه - قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حنين في يوم قائظ شديد الحر ، فنزلنا تحت ظلال السمر ، فلما زالت الشمس لبست لامتي ، وركبت فرسي فاتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في فسطاطه ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمته ، الرواح قد حان ، الرواح يا رسول الله ، قال : " أجل " ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بلال " فثار من تحت سمرة كان ظله طائر ، فقال : لبيك وسعديك ، وأنا فداؤك . قال : " أسرج لي فرسي " فاتاه بسرج دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر ، فركب فرسه ، ثم سرنا يومنا ، فلقينا العدو ، وتشامت الخيلان ، فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى ، فجعل رسول

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير 7 / 358 وابن عساكر كما في التهذيب 6 / 351 .